محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
413
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
شراءه بأغلى ثمن تعنّفا ، وإلّا فأيّ مناسبة بين ذبح البقرة وضرب القتيل ببعضها وبين حياة القتيل وقيامه والدلالة على قاتله ؟ ! ومنها : أنّ هذا الحكم لم يكن من أحكام الشرع ، بل هو من أحكام القيامة ، كما ظهر في زمان داود - عليه السلام - على لسان ذلك الصبيّ ، وكما حكم أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - في ذلك المقتول الذي خفي حاله ؛ ولو كان على موجب الشرع لكان يسوغ للمدّعى عليه إنكاره ؛ فيقول : « هذا الناطق بعد الموت خصمي » ولا يسمع في الشرع مجرّد دعواه ؛ فيحكم بها من غير بيّنة عادلة ، وحياته بعد الموت لا تكون بيّنة في الشرع ، وهو مختار ؛ فربّما كذب عليّ باختياره ؛ ولهذا نقل في بعض الروايات أنّ الرجل أنكر القتل بعد رؤية الآيات ، بل حكم القيامة كذلك ، ذلك اليوم الحق لا يجزي فيه إلّا الصدق ؛ فأراد اللّه تعالى أن يعلّم موسى - عليه السلام - أحكام القيامة كما علّمه أحكام الشرع ، وأن يطلعه على بعض أسرار التقدير ( 180 ب ) كما أطلعه على جميع أسرار التكليف ، وأن يهديهم إلى ما اختلفوا فيه بذبح بقرة كما أضلّهم السامري باتّخاذ عجل وإحياء جماد ؛ وأنّ كلّ من استند إلى النصّ واتّبع الأمر هداه بعض المأمور به إلى ما اختلف فيه ؛ وأنّ كل من قال : وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أضلّه ما سولّت له نفسه ؛ فأشرب في قلبه العجل ، وعكف عليه . فيا عجبا من هداية ببقرة ! وضلال بعجل ! وظهور أمر مخفيّ بذبح بقرة ! وخفاء أمر جليّ بحياة عجل ! ومن حيوان ذبح فأحيي ببعضه إنسان ! ومن جماد أحيي فذبح به ناس ! « له شيمة تأبى وأخرى تطاوع . » 544 ومنها : أنّ ذلك الرجل قتله ابنا عمّيه : الحرص والبخل ؛ وهذه البقرة ربّاها مالكاها : البرّ والصلة . فذبحت هي ليحيا ببعضها كلّ ذلك الشخص ؛ ويعرف أنّ البرّ والصلة يزيدان في العمر ، وأحيي القتيل ليموت بحياته من هو أحرص منه ، ويعرف أنّ الحرص والبخل ينقصان من المال والنعمة : « بشّر مال البخيل بحادث أو وارث . » 545 ومنها : أنّ الذبح في التأويل هو عهد التسليم ، وأنّ البقرة رقبة المسلم ، وصفات المسلم كلّها الاقتصاد : لا فارض ولا بكر ، لا غال ولا مقصر ؛ والصفرة لون بين السواد والحمرة ؛ وبالجملة لون بين لونين وأمر بين أمرين ، لا جبر ولا تفويض ، وكذلك بين الذلول والصعبة ،